فضائح التلفزيون ... شيءٌ من الحقيقة ربما وكثيرٌ من الظلم على المدارس

عبر إذاعة صوت لبنان

TV web

تكونُ متسمّراً أمام التلفزيون. يظهرُ أمامك في برنامجٍ ما تلميذٌ أو أهلُ تلميذ. يتحدّثُ التلميذُ أو أهلُه عن حادثٍ تعرّض له التلميذ من قِبل شخصٍ من أفراد الهيئة التعليمية في مدرسةٍ ما. الحديث يشدُّك فتتابع. فجأةً يتحوّل الحديث إلى إساءةٍ لسمعةِ المدرسة وفي مرّاتٍ عدّة يتم التعرُّض لها كمؤسّسة. وفي هذا الإطار أودُّ قولَ خمس نقاط.

 

أولاً، كلُّ تلميذٍ ينتمي إلى مدرسة وكلّ أستاذ ينتمي إلى مدرسة. فأيّ حادثٍ يكون طرفه أحد هؤلاء ستكون مدرسةٌ ما في لبنان معنيّة بطبيعة الحال. في لبنان مايةُ ألف معلّم ومليون تلميذ. أن يحصل حادثٌ مع تلميذٍ في مدرسةٍ ما، فإنّ ذلك طبيعيٌ بمعنى أن المدارس هي المكان الذي يذهب إليه هؤلاء التلاميذ ويمضون فيها معظم أوقات الصحو عندهم. أقول "طبيعي" ولا أعني بقولي "مقبول".

 

ثانياً، أن نبدأ في حديثنا بإدانة المدرسة من دون أن نُعطي في الحلقة نفسها إدارة المدرسة فرصةً لإبداء وجهةِ نظرِها، فهذا من الناحية المحترِفة على الأقل، أمرٌ غيرُ مهني. هذه المدارس وكلّ مدرسةٍ أُخرى فيها هيئاتٌ تعليميّة أفنَت حياتها في تعليم التلاميذ. المعلّمون في كلّ لبنان لهم فضلٌ علينا جميعاً. فإذا افترضنا أو صدّقنا أن ّ أحدهم تصرّف بما لا يليق في مكانٍ ما في وقتٍ ما، فإنّ الواجبَ الأخلاقي يدعونا ألّا نعمّم الإدانة أو أن نسمح بالإساءة لمن هُم القوّة الأخلاقيّة النادرة الباقية في لبنان.

 

ثالثاً، معظم الحوادث التي ظهَرت في الإعلام، إذا ما هي فعلاً حصَلَت، فقد حصَلَت خارج حرم المدرسة وفي نشاطٍ لم تنظّمه المدرسة ولم تكُن هي مسؤولةً عنه. فالمدرسة لم تشجِّع الأهل على مشاركة أولادهم في هذا النشاط أو ذاك لا من قريب ولا من بعيد. هذا أمرٌ حصل خارج المدرسة من دون أيّ تدخّلٍ للمدرسة، فكيف نُدين مدرسةً لم تنظّم النشاط الذي حصل فيه التعدّي؟

 

رابعاً، في هذه البرامج التلفزيونيّة، يتحدّث المتألّمون، وهُم عن حق كذلك، عن الموضوع وكأنّ المدرسة لم تفعل شيئاً لمّا هي أُحيطت علماً بالموضوع. في كثيرٍ من الأحيان لا يكون هذا الاتهام صحيحاً. لكنّ المدارس هي مؤسساتٌ تربويّة، وفي معظم المرّات هي لا تهوى وسائلَ الإعلام. هذه المدارس تعالج هكذا مواضيع بهدوء وبحزم وبالمرافقة وربّما بالصلاة أيضاً. تحمل الموضوع في قلبها وعقلها بجديّة كبيرة والتزامٍ بسلامة الأطفال لا يتزعزع. لكنّ المدارس لا تطبّل ولا تزمّر ولا تتكلّم بالصوت العالي. هي تأخذ الإجراءات القانونية الضروريّة من دون التشهير أو جعل الناس الأبرياء ضحيّةً. المدارس توثّق ما تقوم به لكي تكون جاهزةً في لحظة المساءلة من الدولة. لكنّ المدارس لا تستهوي الكلام العلني عمّا يؤلمها ألماً كبيراً.

 

خامساً وأخيراً، وبعد أن قلتُ كلَّ ذلك أقول أنّ أيّ تعدٍّ على طفلٍ إذا ما ثبُتَ حصوله هو أمرٌ مُدان ومرفوض وشائن. هو موضوعٌ لا تساوم المدرسة عليه مطلقاً. هذا موضوعٌ لا يقبل "السين جين". لكن وفي الوقتِ نفسه هذا موضوعٌ يبتُّ فيه القضاء والقضاءُ وحدَه. وما يقوله القضاء تنحني أمامه كلّ الإرادات، أرادات المدرسة والمعلّم والتلميذ والأهل.

 

ما هي الإجراءات الوقائية الاستباقية التي يمكن للمدرسة أن تتخذها لكي تمنع حصول حوادث من النوع الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام في بعض المرات"؟

 

المعلّم يتواصل مع مئات التلاميذ سنوياً، فكيف يحمي نفسه من اتّهاماتٍ مؤذية له ولمساره المهني؟ وكيف نحمي أولادنا من معلّمٍ سمحَ لنفسِه لا سمح الله بأن يستفيد من موقعه في التعليم ليستغلّ تلميذاً وثق فيه وهو غير قادرٍ على الدفاع عن نفسه؟

 

أودّ أن أقول في البداية أنّ موضوع إقامة صداقةٍ مع تلميذ قد شغَل بالَ المدارس في الغرب وفي الشرق أيضاً. في الغرب أطلقوا على هذه المعضلة إسم Befriending Students أي "أن تكون صديقاً للتلميذ". وقد وصلوا هناك إلى خلاصةٍ مفادُها أنّ هذا الأمر غيرُ مستحب لا بل غير مقبول. وقد ذهب بعضُهم إلى أبعد من ذلك.

 

تبدأ عمليّة تحصين المعلّم عبر امتناعه عن قبول طلب صداقةٍ مع تلميذ على الفايسبوك، وعبر امتناعه أيضاً عن إرسال طلب صداقةِ الفايسبوك لتلميذٍ ما. وفي الأساس، لماذا يكون المعلّمُ أو المعلّمة صديقاً أو صديقةً لتلميذٍ على الفايسبوك؟ ما هي الفائدة من ذلك؟ لا شيء. ما هي الفائدة من مشاهدةِ التلميذ صوراً وأفلام فيديو تعكس الحياة الشخصية للمعلّمة مثلاً؟ هل تعلم أنّ ولاية ميسوري الأميركية أصدرت قانوناً، وليس قراراً فقط، يمنع أيّ معلِّم من التواصل عبر الفايسبوك مع أيّ تلميذ أو قبوله صديقاً حتّى ولو كان ذلك لأسبابٍ تربوية؟ هل تعلم أنّ ولاية فرجينيا الأميركية منَعت عبر قانونٍ أصدرَته كلّ المعلمين من التواصل عبر الواتساب أو أي وسيلةٍ أخرى من وسائل التواصل الاجتماعي مع التلاميذ؟ بكلامٍ آخر، فإنّ أي معلّم يتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع أي تلميذٍ، فإنّ قانون الولاية يقاضية. طبعاً، هذا لا يلغي إمكانية مشاركة المعلمين في بعض المناسبات الاجتماعيَّة للطلاب، كتقديم واجب العزاء، والاطمئنان على أوضاع الطالب الصحيِّة في حال المرض بالزيارة أو بالسؤال عنه.

 

وهكذا فإنّ الـ Chatting  على الواتساب غير مستحب بين المعلّم والتلميذ. قد يقول قائل أنّ المعلّمة قد تُضطر مثلاً بأن تتواصل على الواتساب مع تلاميذها حول موضوعٍ دراسي. أنا شخصيّاً لا أرى لزوماً لذلك. لا مبرّر لتواصل المعلّمة والتلاميذ مع بعضهم البعض على الواتساب. أكثر من ذلك إذا سمَح تلميذٌ لنفسه بأن يرسل رسالةً عبر الواتساب إلى معلّمةٍ، وإذا ما كانت هذه الرسالة تتضمّن مشاعر من خارج الإطار التربوي، يتوجّب على المعلمة أن تُعلِم الإدارة على الفور. وعلى الإدارة أن تتعاطى في هذا الموضوع مع التلميذ وحدَه في المرحلة الأولى، وبحضور أهله في مرحلةٍ لاحقة إن هو أصرّ على فعلته هذه. وإذا لم تفعل المعلمة ذلك، فلا تتفاجأ إن هي وَجَدت نفسها في موقعٍ محرِجٍ يخلقُه لها التلميذ.

 

كذلك يمر ببالي ضرورة امتناع المعلمين عن حضور حفلاتٍ خاصّة يدعوهُم إليها التلاميذ. لا دخل للمعلّمين بحفلات أعياد التلاميذ لا من قريب ولا من بعيد. الاستثناء الوحيد هو للمعلمة التي لها ولدٌ صغيرُ السن في صفٍّ معيّن، يدعوه رفاقُه إلى أعياد ميلادِهم ويدعوهم هو إلى عيد ميلاده. قد يقول بعض المدافعين عن مبدأ مشاركة المعلمين بأعياد التلاميذ أن ذلك يحسِّن من سلوكيات التلاميذ في الصف. هذا ليس صحيحاً.

وماذا عن موضوع دعوة تلاميذ إلى مناسباتٍ ينظّمها معلمٌ ما. لا أعتقد أنّ من المناسب أن يبادر معلّمٌ إلى دعوة تلاميذ إلى رحلةٍ ينظّمها هو أو إلى picnic  وذلك من خارج الأنشطة اللاصفيّة ومن خارج نطاق إدارة المدرسة. بعضُ المعلّمين ينظّمون في الصيف رحلاتٍ إلى خارج لبنان، ويدعون تلاميذ من مدارس عدّة ليشاركوا فيها. إذا أراد المعلّم أن ينظّم نشاطاً من هذا النوع "يصطفل"، لكن على المدرسة أن توضح للأهل أنّها غير مسؤولة عن هذا النشاط، كما يمكنُها أن تشترط على المعلّم عدم قبول تلاميذ من المدرسة التي يعمل فيها في هذا النشاط.

 

بإجراءاتٍ قليلة تستطيع المدرسة حماية معلّميها من الافتراءات التي يطلقها بعض التلاميذ أحياناً، ويمكنها أن تحمي التلاميذ من أيِّ حالات ضعفٍ غير مقبولة قد تصدر عن معلّمٍ أو معلّمة. هل هذا يكفي لإنهاء الحالات غير المستحبّة التي قد تحصل في المدارس؟ طبعاً لا، لكن من خلال إجراءاتٍ من هذا النوع استطاعت المدارس في بلدانٍ كثيرة تجنُّب حوادث وخضّات لا فائدة منها وتمكّنَت من حماية ناسِها، كلّ ناسها، المعلمون منهم والمعلمات والتلاميذ وكذلك الأهل.

 

كلّ هذه الثقافة كانت غريبةً عنّا حتّى الأمس القريب، لكنّ تكرار الحوادث التي آذت التلاميذ من جهة، وتكرار حالات الافتراء ضد المعلّمين من جهة أخرى، تجعلُنا جميعنا مجبرين أن نتّخذ إجراءاتٍ حازمة وحاسمة لم نكُن لنفكِّر فيها حتى الأمس القريب، وكلّ ذلك على قاعدة "بلاها أحسن من بلاياها".

 

في الاستراتيجيات الخمس الأساسية لحلّ النزاعات، هل تعلم ما هي الاستراتيجية الأولى التي يتم التدريب عليها؟ التقنيّة الأولى التي يدرِّب المدرّبون عليها هي تقنيّة بسيطة جداً نسمّيها بالغة الإنكليزية الـ Avoidance Technique أي "تقنيّة التجنُّب"، أي أنّك تتجنّب الدخول في النزاع قبل حصوله كما كان أجدادُنا يقولون "بعود عن الشر وغنّيلو"، أو كما يقول المثل الشعبي "الباب يللّي بيجيك منّو الريح سدّو واستريح".

 

سمير قسطنطين